الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

190

نفحات القرآن

وفي الآية الثالثة والأخيرة أشار تعالى إلى الهدف من خلق الإنسان ، وأوضح العلاقة التي تربطه بالمعاد ، قال تعالى : « أَيَحْسَبُ الْانْسَانُ انْ يُتْرَكَ سُدىً » ، ثم أشار إلى خلق الإنسان من ماءٍ مهين ( النطفة ) وأشار إلى مراحل تكامله في الرحم فأضاف : « أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِىَ الْمَوْتَى » . وبهذا يتّضح أنّ الهدف من خلق‌الإنسان لا يحصل إذا جُرد من الحياة الآخرة . فإنَّ فعل الخالق الحكيم لا يخلو من الهدف وهذا أمرٌ بديهي ، ومن البديهي أيضاً أنّ النفع الحاصل من أفعاله لا يعود إليه بفائدة ، وذلك لأنّه غير محدود وغني بالذات من جميع الجهات ، إذن فلا يعود النفع إلّالعباده ، ولكن هل من الممكن أن تكون هذه الحياة القصيرة المشوبة بأنواع المصائب هي الهدف من هذا الخلق العظيم ؟ كلّا طبعاً . لذا لا يبقى أمامنا طريق إلّاالقبول بثبوت الآخرة واعتبارها هي الهدف من هذا المسير التكاملي للإنسان . و « سُدىً » : على وزن ( هُدى ) - نقلًا عن كتاب « التحقيق » : في الأصل بمعنى التحرك العبثي الخالي عن الفكر والتدبير والبرمجة الصحيحة ، من أجل هذا أطلقوا على الجِمال التي تجول في الصحراء من دون راع « إبل سُدى » ، وقيل : إنّ « سَدى » على وزن ( وَفا ) وقد أطلقت على قطرات الندى التي تتساقط ليلًا ، لأنّها لا تتساقط بنظم معيّن ، واطلقوا « سدى » على ما مُدّ من خيوط القماش قبل أن تُحاك بالكامل ، لأنّه قبل الحياكة يكون مهملًا وغير مفيد . وقصارى القول هو : إنّ الآية تقول - من خلال استفهام إنكاري - أيمكن أن يترك الإنسان مع كل هذه الاستعدادات والطاقات الفكرية والجسمية والإمكانات المختلفة بدون أن يوضع له برنامجٌ معينٌ ؟ ثم تستنتج من كل ذلك مسألة حتمية التكاليف والمسؤولية ثم حتمية وجود المعاد .